مقابلات ومقالات

  • شارك:

التكنولوجيا لا تصنع مصرفاً ناجحاً (من الرقمنة إلى الحوكمة والثقة.. كيف يُعاد تشكيل مستقبل العمل المصرفي اليمني)


جمعية البنوك اليمنية - صنعاء     بتاريخ: 2026/10/01

 

حمزة الشرعبي

في اللحظة التي يفتح فيها العميل تطبيقه المصرفي من هاتفه، وينفذ تحويلاً مالياً خلال ثوان، أو يطلب خدمة دون أن يزور فرعاً، يبدو للوهلة الأولى أن المصرف قد دخل المستقبل، لكن.. هل دخل المستقبل فعلاً؟ هنا يبدأ السؤال الأصعب، هل التكنولوجيا تصنع مصرفاً ناجحاً؟ الإجابة التي قد تبدو مفاجئة هي: لا.

تستطيع التكنولوجيا أن تجعل المصرف أسرع، لكنها لا تجعله بالضرورة أكثر حكمة في الاتساع والانتشار.

 تستطيع أن تقلل الوقت والتكلفة، لكنها لا تضمن سلامة القرار. تستطيع أن تفتح أبواب الخدمة أمام ملايين العملاء، لكنها لا تضمن أن هؤلاء العملاء يشعرون بالأمان والثقة، بل إن التكنولوجيا إذا دخلت إلى مؤسسة ضعيفة في الحوكمة قد لا تعالج ضعفها، وإنما تمنحه سرعة أكبر ومدى أوسع.

وهنا تكمن المفارقة التي يجب أن تتوقف أمامها المصارف اليمنية وهي تخطو نحو المستقبل الرقمي. أي أن المعركة القادمة لن تكون معركة من يمتلك التكنولوجيا الأكثر تطوراً بل من يستطيع أن يحكم التكنولوجيا ويوظفها بطريقة أكثر أماناً وعدالة وذكاء.

وفي هذا السياق تؤكد الاتجاهات الدولية الحديثة في القطاع المصرفي أن الرقمنة تخلق فرصاً كبيرة، لكنها في الوقت نفسه قد تضخم المخاطر الاستراتيجية والتشغيلية ومخاطر الاعتماد على الأطراف التقنية والأنظمة الرقمية، وهو ما يجعل الحوكمة وإدارة المخاطر عناصر أساسية وليست مكملة للتحول الرقمي.

من رقمنة الخدمة إلى إعادة اختراع المصرف

أحد أكبر الأخطاء في التعامل مع التحول الرقمي هو اختزاله في تحويل الخدمات التقليدية إلى خدمات إلكترونية.

وأن يستبدل المصرف الورقة بنموذج إلكتروني، أو الفرع بتطبيق، أو الطابور بتحويل رقمي لا يعني بالضرورة أنه أصبح مصرفاً رقمياً.

 فالتحول الحقيقي يبدأ عندما تتغير طريقة تفكير المصرف نفسه: كيف يتخذ قراره ويدير مخاطره ويراقب عملياته ويحمي بيانات عملائه ويكتشف الاحتيال ويتعامل مع الشكاوى ويقيس جودة الخدمة وكيف يتأكد من أن السرعة التي توفرها التكنولوجيا لا تأتي على حساب العدالة والشفافية وحماية العميل؟

ولهذا فإن التحول الرقمي الحقيقي ليس مشروع تقنية معلومات فقط. إنه (مشروع تحول مؤسسي) يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والأنظمة والبيانات والقرار والرقابة.

وقد أشار بنك التسويات الدولية إلى أن الرقمنة يمكن أن تخلق فوائد كبيرة للمصارف والعملاء.. لكنها قد تخلق أيضاً نقاط ضعف جديدة وتزيد من بعض المخاطر القائمة.. الأمر الذي يجعل الحوكمة وإدارة المخاطر والقدرة المؤسسية عناصر أساسية في التعامل مع التكنولوجيا.

عندما تصبح السرعة مصدراً للخطر

في المصرف التقليدي قد يحتاج الخطأ إلى ساعات أو أيام حتى ينتقل من نقطة إلى أخرى، أما في البيئة الرقمية فقد ينتقل الخطأ في ثوان، وهنا تتغير طبيعة المخاطر.

قد يكون قرار ائتماني خاطئ ناتجاً عن نموذج آلي، أو خلل تقني يؤدي إلى تكرار عملية مالية، أو اختراق يستهدف بيانات العملاء، أو احتيال يستفيد من سرعة المدفوعات الرقمية.

وبالتالي فإن السؤال لم يعد.. هل يمتلك المصرف نظامًا إلكترونياً؟ بل أصبح.. هل يستطيع المصرف السيطرة على النظام عندما يحدث الخطأ؟ وهذا فارق جوهري.

فالتكنولوجيا تمنح المصرف قوة هائلة، لكن القوة من دون ضوابط قد تتحول إلى نقطة ضعف، وفي تقرير حديث أشار بنك التسويات الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي تحديداً يفتح فرصاً واسعة، لكنه يضيف مخاطر تتعلق بالبيانات والسرية والنماذج والسمعة، ما يجعل الحوكمة وإدارة المخاطر جزءًا من عملية تبني التكنولوجيا ذاتها.

الثقة هي العملة التي لا يمكن رقمنتها

قد يستطيع المصرف رقمنة كل شيء تقريباً، لكنه لا يستطيع أن يرقمن الثقة، فالعميل لا يريد تطبيقاً جميلاً فقط، بل يريد أن يعرف أن أمواله آمنة، وبياناته محفوظة، وحقوقه مصونة، وإذا حدث خطأ فهناك من يسمعه وينصفه.

وهنا تصبح الثقة الرقمية واحدة من أهم أصول المصرف في المستقبل، فكلما ابتعد العميل عن الموظف والفرع واعتمد على الهاتف والشاشة والخوارزمية أصبح على المصرف أن يعوض غياب العلاقة المباشرة بدرجة أعلى من الشفافية والأمان وسرعة الاستجابة وحماية المستهلك.

ويشير البنك الدولي إلى أن الثقة من أهم العوامل المؤثرة في تبني الخدمات المالية الرقمية، وأن حماية المستهلك، والوعي بالمخاطر وحل النزاعات والأطر الرقابية القوية كلها عناصر أساسية لبناء هذه الثقة.

وهنا يمكن القول: في المصرف التقليدي كان العميل يذهب إلى المصرف بحثاً عن الثقة، أما في المصرف الرقمي فعلى الثقة أن تذهب إلى العميل عبر شاشة هاتفه.

التكنولوجيا من منظور إسلامي

ليست المشكلة في الأداة بل في طريقة استخدامها ومن الخطأ أن يكون النقاش حول التكنولوجيا في المصارف الإسلامية محصوراً في سؤال.. هل التقنية حلال أم حرام؟

فالتكنولوجيا في ذاتها أداة والأصل في الأدوات الإباحة ما لم ترتبط باستخدام محظور.. لكن السؤال الأعمق هو: ماذا نفعل بهذه الأداة؟ وهنا يظهر البعد الإسلامي بصورة أكثر عمقاً.

فإذا كانت التكنولوجيا تساعد على حفظ أموال الناس وتقليل الغرر وتحقيق الشفافية وتسريع إيصال الحقوق وتقليل فرص التلاعب وتحسين الرقابة، فهي أداة يمكن أن تخدم مقاصد الشريعة.

أما إذا استخدمت بطريقة تؤدي إلى ظلم العميل أو استغلال جهله أو إخفاء المعلومات عنه أو التلاعب في البيانات أو التحايل على الضوابط الشرعية، فإن تطورها التقني لا يمنحها المشروعية.

لذلك فإن التحول الرقمي في المصرف الإسلامي يجب ألا يكون تحولاً في الأدوات فقط، بل تحولاً في القدرة على تحقيق مقاصد العمل المصرفي الإسلامي.

ولهذا تأتي الحوكمة الشرعية في قلب هذا التحول.. لا على هامشه. وقد عززت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) هذا الاتجاه من خلال تطوير معايير حديثة للحوكمة الشرعية، من بينها معيار الحوكمة الشرعية GS 1 ومعايير تتعلق بوظائف الالتزام الشرعي والتدقيق الشرعي وهيئات الرقابة الشرعية.

وهذا يعني أن السؤال أمام المصرف الإسلامي لم يعد فقط.. هل المنتج متوافق مع الشريعة؟، بل أصبح أيضاً.. هل البيئة الرقمية التي يقدم من خلالها المنتج تحافظ على هذا الالتزام في كل مراحل العملية؟

أين يقف التدقيق والرقابة في المصرف الرقمي؟

كلما أصبحت العمليات أكثر رقمية، أصبح دور الرقابة أكثر أهمية، وليس أقل، فالرقابة التقليدية التي تعتمد فقط على العينات والفحص اللاحق قد لا تكون كافية أمام ملايين العمليات الرقمية التي تنفذ بصورة آلية.

وبالتالي فإن المستقبل يتطلب انتقال الرقابة من رقابة تكتشف الخطأ بعد وقوعه إلى رقابة ذكية تستطيع منع الخطأ أو اكتشافه لحظة حدوثه.

وهذا يفتح المجال أمام التدقيق الداخلي والتدقيق الشرعي للاستفادة من تحليل البيانات والأنظمة الآلية والاختبارات المستمرة بحيث تصبح الرقابة جزءًا من دورة العملية المصرفية وليس مرحلة تأتي بعدها.

مع الإشارة إلى أن التكنولوجيا لا تلغي دور الإنسان الرقابي بل تغير طبيعته فالآلة تستطيع اكتشاف نمط غير طبيعي لكنها لا تستطيع دائماً فهم السياق الأخلاقي أو الشرعي للقرار. وهنا يبقى الإنسان هو صاحب الحكم والمسؤولية.

المصارف اليمنية أمام فرصة حقيقية

قد يبدو الحديث عن التحول الرقمي في اليمن مرتبطاً بالتحديات أكثر من الفرص لكن الحقيقة أن التحديات نفسها قد تكون مدخلاً للابتكار. فالمصرف اليمني لا يحتاج بالضرورة إلى تقليد المصارف العالمية في كل شيء.. بل يحتاج إلى أن يسأل ..  ما المشكلات المصرفية اليمنية التي يمكن للتكنولوجيا أن تحلها؟ كيف نصل بالخدمة إلى العميل في المناطق البعيدة ونخفض تكلفة التحويلات ونعزز الشمول المالي ونوفر خدمات أكثر أمانًا وسرعة ونصل إلى أصحاب المشاريع الصغيرة ونحسن إدارة السيولة والمخاطر ونرفع كفاءة الرقابة.. وكيف نبني خدمات رقمية تتناسب مع خصوصية المجتمع اليمني واحتياجاته؟

هذه الأسئلة أهم من السؤال عن آخر تطبيق أو أحدث تقنية. فالتكنولوجيا الناجحة ليست تلك التي تثير الإعجاب وإنما تلك التي تحل مشكلة حقيقية.

المستقبل ليس للأكثر تقنية، بل للأكثر وعياً

قد يكون المصرف الذي يمتلك أحدث الأنظمة أقل نجاحاً من مصرف يمتلك أنظمة أبسط لكنه يعرف كيف يستخدمها بكفاءة وأمان، وقد يكون المصرف الذي يمتلك أكبر قدر من البيانات أقل قدرة على اتخاذ القرار من مصرف يعرف كيف يحول البيانات إلى معرفة، وقد يكون المصرف الذي يقدم عشرات الخدمات الرقمية أقل ثقة من مصرف يقدم خدمات أقل، لكنه يحمي العميل ويصون حقوقه.

ولهذا فإن المعادلة الجديدة للنجاح المصرفي يمكن أن تكتب هكذا.. (تكنولوجيا + حوكمة + إدارة مخاطر + إنسان مؤهل + ثقة + قيم = مصرف المستقبل).. أما التكنولوجيا وحدها، فهي مجرد أداة.

ختاماً.. عندما تصبح التكنولوجيا في خدمة الإنسان

ربما تكون أكبر مغالطة في عصر التحول الرقمي أننا نتعامل مع التكنولوجيا وكأنها هي المستقبل، والحقيقة أن التكنولوجيا ليست المستقبل.. الإنسان هو المستقبل.

التكنولوجيا ستتغير، والأنظمة ستتطور، والخوارزميات ستصبح أكثر ذكاءً، والذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل أجزاء واسعة من الصناعة المصرفية.

لكن ستبقى الأسئلة الكبرى كما هي .. هل نحمي أموال الناس؟ هل نصون بياناتهم؟ هل نعاملهم بعدالة؟ هل نتحمل مسؤولية قراراتنا؟ هل نمنع الضرر قبل وقوعه؟ هل نستطيع أن نجعل التطور التقني وسيلة لبناء اقتصاد أكثر كفاءة وعدالة.. لا مجرد سباق نحو امتلاك أحدث الأدوات؟

لذلك فإن المصرف الذي سيكسب المستقبل ليس بالضرورة ذلك الذي يملك أكبر عدد من الشاشات ولا أسرع تطبيق ولا أكثر خوارزميات الذكاء الاصطناعي.. بل المصرف الذي يعرف لماذا يستخدم التكنولوجيا ولمن يستخدمها وكيف يحكمها ومن يحميه عندما تخطئ.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام المصارف اليمنية ليس أن تلحق بالتكنولوجيا، فالتكنولوجيا لا تنتظر أحداً.

التحدي الحقيقي هو أن تلحق المؤسسات بالوعي الذي يجعل التكنولوجيا آمنة ونافعة وعادلة، فالمصرف الناجح لا يصنعه التطبيق، ولا تصنعه الخوارزمية، ولا تصنعه سرعة التحويل، بل يصنعه الإنسان الذي يضع التكنولوجيا في مكانها الصحيح.. أداةً لخدمة المال وحماية الإنسان وتعزيز الثقة وتحقيق الكفاءة وخدمة المجتمع.

ولهذا سيبقى العنوان الأهم للمستقبل هو: (التكنولوجيا لا تصنع مصرفًا ناجحاً) .. لكن المصرف الذي يعرف كيف يحكم التكنولوجيا يستطيع أن يصنع مستقبلًا مصرفياً ناجحاً.

 

* باحث متخصص في الاقتصاد والتدقيق الشرعي والرقابة المصرفية

جمعية البنوك اليمنية   جمعية البنوك اليمنية

رابط مختصر:
UP